الشنقيطي

219

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

حتى إذا ألقت يدا في كافر * وأجن عورات الثغور ظلامها فقوله « ألقت » أيّ الشمس ، ولم يجر لها ذكر ، ولكن يدل له قوله : * وأجن عورات الثغور ظلامها * لأن قوله : * ألقت يدا في كافر * أيّ دخلت في الظلام . ومنه أيضا قول طرفة في معلقته : على مثلها أمضي إذا قال صاحبي * ألا ليتني أفديك منها وأفتدي فقوله : « أفديك منها » أيّ الفلاة ، ولم يجر لها ذكر ، ولكن قرينة سياق الكلام تدل عليها . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : يُؤاخِذُ الظاهر أن المفاعلة فيه بمعنى الفعل المجرد ؛ فمعنى آخذ الناس يؤاخذهم : أخذهم بذنوبهم ؛ لأن المفاعلة تقتضي الطرفين . ومجيئها بمعنى المجرد مسموع نحو : سافر وعافى . وقوله « يؤاخذ » إن قلنا إن المضارع فيه بمعنى الماضي فلا إشكال . وإن قلنا : إنه بمعنى الاستقبال فهو على إيلاء لو المستقبل وهو قليل ؛ كقوله : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ [ النساء : 9 ] ، وقول قيس بن الملوح : ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا * ومن دون رمسينا من الأرض سيسب لظل صد صوتي وإن كنت رمة * لصوت صد ليلى يهش ويطرب والجواب بحمله على المضي في الآية تكلف ظاهر ، ولا يمكن بتاتا في البيتين ، وأمثلته كثيرة في القرآن وفي كلام العرب . وقد أشار لذلك في الخلاصة بقوله : لو حرف شرط في مضي ويقل * إيلاؤها مستقبلا لكن قبل قوله تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ [ 62 ] . أبهم جل وعلا في هذه الآية الكريمة هذا الذي يجعلونه للّه ويكرهونه ؛ لأنه عبر عنه ب « ما » الموصولة ، وهي اسم مبهم ، وصلة الموصول لن تبين من وصف هذا المبهم إلا أنهم يكرهونه . ولكنه بين في مواضع أخر : أنه البنات والشركاء وجعل المال الذي خلق لغيره ، قال في البنات : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ [ النحل : 57 ] ثم بين كراهيتها لها في آيات كثيرة ، كقوله : وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى [ النحل : 58 ] الآية . وقال في الشركاء : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ [ الأنعام : 100 ] الآية ، ونحوها من الآيات . وبين كراهيتهم للشركاء في رزقهم بقوله : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) [ الروم : 28 ]